مكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولالبوابةالرئيسية

شاطر | 
 

 سن التقاعد العربي / قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الجرايحى

avatar


الدولة: : مصــــــــر
رقم العضوية: : 1
عدد المساهمات : 1028
نقاط نشاط العضو: : 1644
العمر : 55
الوظيفة: : التربية والتعليم
تاريخ التسجيل : 11/11/2011

إهداء من
ليلى الصباحى -أم هريرة
منتديات المدونون العرب

مُساهمةموضوع: سن التقاعد العربي / قصة   الخميس ديسمبر 29, 2011 8:16 pm



اكتمل نصاب العقود الستة من عمري ، أكاد لا أصدق ذلك ، إنني لا أزال على قيد الحياة ، ولم تهوي ورقة الأجل بعد ، ومع أن حالتي الصحية لم يعد فيها موضع شبر لمزيد من الأمراض الجسدية أو المعنوية ، ولكني لست مكترثا لذلك الآن ، فاليوم سأحتفل ببلوغي لسن التقاعد ، وسأحيل أوراقي إلى فضيلة محاسب الشركة ، كي أنجز معاملة مستحقات نهاية خدمتي ، والتي جاوزت الثلاثة عقود ، دون أن أتمكن خلالها من تحقيق حلم لطالما راودني براتب تختلف فيه ملامح خانته الثالثة ولو لمرة واحدة على الأقل .

ارتديت بدلتي الرسمية القاتمة اللون ، ولربما يصعب تحديد لونها على وجه الدقه ، فأنا ارتديها يوميا منذ فصل الشتاء المنصرم قبل خمسة أعوام ، وهي ملاذي في كل المناسبات من أفراح وأتراح ، ولكني أذكر أنها كانت سوداء حين اشتريتها من بائع متجول ، كان قد أقسم لي ثلاثا بأنها بضاعة تم تهريبها من اسطنبول وذلك كي لا تأخذني الهواجس والظنون وأجزم أنها قادمة من بكين .

حاولت تجنب مواجهة المرآة قبل خروجي من المنزل ، فلا أشاهد وجهي المتآكل بالتجعدات ، وعيوني الذابلة وما يحيط بها من هالات ، وشفتي المزمومتين وما تخفيان وراءهما من أسنان زائفة ، وعنقي المترهلة وقد انغرست بين كتفي المتهدلين ، وتلك السماعة اللعينة التي تحيط بأذني اليمنى ، وبقايا الشعر الأبيض الذي بالكاد يغطي ثلث مساحة رأسي ، نعم لقد بلغت من الكبر عتيا ، وتكفي نظرة خاطفة إلى الصورة المعلقة على الجدار منذ يوم زفافي كي أدرك أنني قدم في الدنيا وأخرى في القبر .

اتكأت على عصاي واسندت مايمكن اسناده من ظهري المحدودب ، ومضيت قاصدا مكان عملي ، ممتطيا حافلة النقل العام بعد أن نطقت بالشهادتين ودعوت المولى بحسن الختام وذلك عندما تدافعت من أمامي الرؤوس والأقدام بمجرد وصول الحافلة ، ولولا تدخل أهل الخير الذين هبوا لنجدتي قبل الغرق في ذلك السيل البشري الزاحف ، لكنت الآن أرقد في قبري مع زملائي الذين التحقت وإياهم بالعمل في التاريخ ذاته ، و لكنهم رحلوا عن الدنيا قبل بلوغهم لسن التقاعد المرتقب .

أبحرت في خيالي وأنا أنظر من نافذة الحافلة ، بمباراة الدوري الالماني التي شاهدتها قبل يومين وذلك عندما كانت كاميرا التصوير تتحرش بوجوه الجماهير قبل انطلاقة صافرة الحكم ، وتحديدا برجل وزوجته يتقاطعان معي في سنين العمر و يترقبان المباراة بمنتهى اللهفة ، وذراعه تحيط كتفها وقد مال رأسها على صدره ، فابتسمت ساخرا من ذلك التناقض العجيب بين بشر يقبلون على الحياة من جديد بعد بلوغهم لسن التقاعد وبين بشر اعتزلوا مباهج الحياة قبل التقاعد وبعده ، مع استثناء من يموت قهرا من الاحباط واليأس وهو لايزال في ريعان الشباب .

وصلت إلى مقر الشركة ، وألقيت التحية على موظف الأمن المتقاعد من الجيش قبل عشرة أعوام ، والذي لطالما كان يؤكد لي أن هذه الوظيفة تحتاج لخبرة رجل مثله وليس لشاب غر لا يفقه في العمل الأمني والعسكري ، وعندما دخلت البوابة الرئيسة للشركة ، استوقفني صوت أنثوي عذب قادم من نافذة الاستعلامات ، (( عفوا عمو ... كيف بقدر أخدمك )) ، التفت خلفي فوجدت فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها ، وقد تدثر وجهها بمساحيق تجميلية تشبه إلى حد بعيد ما يستخدمه المهرجون في السيرك وقد امتد من خلف غطاء رأسها ما يشبه سنام الجمل ، اقتربت منها مندهشا وسألتها عن الموظفة السابقة (( أم سليم )) ، فأخبرتني أنها اصيبت بشلل نصفي بعد تعرضها لحادث سير ، فدعوت لها بالشفاء العاجل وأكدت لها أنني موظف قد تقاعد من الشركة حديثا وجئت قاصدا قسم المحاسبة لاتمام معاملة تقاعدي ، فطلبت مني الانتظار قليلا حتى تعلمهم بقدومي ، ولكن جرس هاتفها قطع حديثنا ، استأذنتني للرد وكانت المكالمة الواردة على مايبدو من صديقتها ، ومالبثت ان احتدت مؤكدة موافقتها المبدئية على تقاضي هذا الراتب ، والذي اكتشفت أنه يضاهي ضعف راتبي عندما أنهيت مشوار خدمتي في هذه الشركة الموقرة .

وبعد أن غادرت نافذة الاستعلامات ووصلت إلى دائرة المحاسبة ، استقبلني وبكل ود رئيس القسم (( أبو سمير )) بابتسامته المعتادة التي تفضح دوما صف أسنانه الأمامية البائدة منذ أمد بعيد ، ولقد تفاجأت وأنا أتمعن بتفاصيل جسده التي كانت مختزنة دوما بالشحوم والدهون ، أنها قد تضآلت وتكاد تختفي تماما ، فسألته عن سبب نقصان وزنه ، فتنهد بحسرة ، ليخبرني أنه أصيب بالسكري والضغط والبواسير في أقل من شهر واحد ، فدعوت له أيضا بالشفاء و أشفقت على حاله ، فهو لايزال يقف قبل محطة التقاعد بعقدين .

وبعد أن احتسينا كوبين من الأعشاب التي لم تحظر بعد من قائمة مشروباتنا ، قدم لي (( أبو سمير )) الشيك الخاص بمكافأة نهاية الخدمة والذي كان يمثل بمجموعه استحقاق ثلاثة رواتب وفقا للحد الأدنى في قوانين العمل ، وعندها فقدت آخر جرعة من الصبر وضقت ذرعا من هذا الظلم الذي سكت عنه منذ عقود ، فلطمت (( أبا سمير )) واعملت عصاي على رأسه العاري من الشعر وأنا أصرخ بأعلى صوتي : (( كفاكم ظلما ... كفاكم ظلما ... نريد حقنا في أن نعيش )) .

صرخت زوجتي مذعورة وبأعلى صوتها : (( استيقظ يا رجل )) ، فصحوت من نومي مذعورا ، ونظرت إلى زوجتي فوجدت أنها لا تزال في ريعان الشباب ، وتأملت وجهي في المرآة سريعا ، فاكتشفت أن ملامحي لم تتغير عن صورة يوم زفافي بعد ، حمدت رب العالمين واستعذت به من الشيطان الرجيم ، ونهضت إلى المطبخ كي أشرب كوبا من الماء وعرجت في طريقي إلى باب المنزل كي أحضر الصحيفة ، وإذ بي أقرأ عنوانا مكتوبا وبالخط العريض ، ألا وهو قرار مديرية التقاعد برفع سن التقاعد خمس أعوام أضافية ليصبح ستة عقود ونصف عقد من السنين ، فضحكت ملء فمي وبكيت حتى اغرورقت عيوني بدموعها ، فمن هو سعيد الحظ الذي سيظل على قيد الحياة حتى بلوغ سن التقاعد الجديد ؟
مرسلة بواسطة أشرف محيي الدين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://bloggers.rigala.net
قلم رصاص

avatar


الدولة: : أم الدنيا مصر
رقم العضوية: : 3
عدد المساهمات : 638
نقاط نشاط العضو: : 1035
تاريخ التسجيل : 12/11/2011



منتديات المدونون العرب

مُساهمةموضوع: رد: سن التقاعد العربي / قصة   الأحد يناير 01, 2012 9:43 pm

شكرا أستاذ محمد
على نقلك هذه القصة الرائعة
والشكر موصول للمبدع أ/ أشرف محى




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ليلى الصباحى ...ام هريرة


avatar



المستشار الفنى للإدارة

الدولة: : القاهرة / مصر
رقم العضوية: : 10
عدد المساهمات : 1267
نقاط نشاط العضو: : 1804
الوظيفة: : مدونة مصرية
تاريخ التسجيل : 12/11/2011





منتديات المدونون العرب
أفضل مشاركاتى : ليلى الصباحى

مُساهمةموضوع: رد: سن التقاعد العربي / قصة   الثلاثاء يناير 03, 2012 6:48 pm





الاستاذ اشرف قلمه لامع وخياله خصب
رغم انه مقل فى انتاجه وزيارته للمدونات
لكن له ركن خاص به ومقعد متميز فى ساحة التدوين
احسنت الاختيار اخى الفاضل
بارك الله فيك استاذ محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lolocat-q.blogspot.com/
رشيد


avatar




الدولة: : المغرب
رقم العضوية: : 27
عدد المساهمات : 315
نقاط نشاط العضو: : 395
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 22/11/2011

منتديات المدونون العرب
أفضل مشاركاتى : رشيد

مُساهمةموضوع: رد: سن التقاعد العربي / قصة   الثلاثاء يناير 10, 2012 1:39 pm

بارك الله فيك أستاذ محمد
قلم أشرف قلم مميز


مدوناتي


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.hams-rroh.blogspot.com
سلسبيل




رقم العضوية: : 84
عدد المساهمات : 89
نقاط نشاط العضو: : 127
تاريخ التسجيل : 21/01/2012
منتديات المدونون العرب

مُساهمةموضوع: رد: سن التقاعد العربي / قصة   الأربعاء يناير 25, 2012 1:27 am

فمن هو سعيد الحظ الذي سيظل على قيد الحياة حتى بلوغ سن التقاعد الجديد ؟

حقا صدقت سيدى الكاتب
هذا اهم ما بالقصه
فقد هرمنا ونحن مازلنا بالشباب نعيش
لكنى حزنت حقا على تلك الرجل حتى ولو كان حلما
فهو حلما مزعجا يراود كل متقاعد مستيقظا كان اونائما

خالص الشكر لك اخى الفاضل
عل نقل القصه
وخالص الشكر للكاتب
تسلمون جميعا
ولكم فائق احترامى
اختكم سلسبيل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سن التقاعد العربي / قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المدونون العرب :: قســـم الأدب والثقافــــة :: منتدى القصة والرواية-
انتقل الى: